كتابات وآراء


الإثنين - 19 أكتوبر 2020 - الساعة 12:17 ص

كُتب بواسطة : حسام ردمان - ارشيف الكاتب


يتركز النقاش حول كيفية دخول السفير الايراني الجديد الى صنعاء ؟ ويُطرح هذا التساؤل بصيغة استنكارية لادانة التحالف العربي و الشرعية.

وبتقديري فان طريقة وصول حسن ايرلو الى اليمن ليست المعضلة ، فالرجل لم يعرف له اي تاريخ ديبلوماسي ولم تنشر صورته حتى في وسائل الاعلام ، ولا يشترط صحة الاخبار التي تفيد بدخوله عبر رحلة طيران من عمان .

بحسب المعلومات الاولية و المؤكدة ، فان ايرلو يعتبر احد اهم قيادات الحرس الثوري ، وبالتالي فان بمقدوره التسلل الى اليمن خفية كحال عشرات الخبراء الايرانين واللبنانيين . و الجدير بالمناقشة هو توقيت القرار و دلالة ان تجاهر ايران بوجودها العسكري في اليمن بل وتمنحه غطاءً سياسيا.

و بوسعنا اضافة عامل جديد لتفسير الانفتاح الحوثي على غريفيث ، وسر التزامهم بتقديم عربون صداقة مغري للامم المتحدة يخفف استباقيا من الادانة الدولية التي قد يواجهها . و بحكم الضرورة سيواصل غريفيث (ومن وراءه البريطانين والاؤربيين) التعامل مع الحوثي لاستكمال المرحلة الثانية من عملية تبادل الاسرى ، لانها راس المال الساسي الوحيد لاستدامة الوساطة الاممية.

لكن الاهم هو ما تمثله هذه الخطوة من تغير جوهري في المقاربة الايرانية للصراع اليمني ؛ فخلال الاعوام الثلاثة الاولى للحرب ، فضلت ايران ان تعزز من سردية الاستقلال الذاتي الحوثي وان تقدم نفسها كحليف سياسي يساند جماعة محلية مظلومة ، وذلك تجاوبا مع نمط الحرب الاستنزافية في اليمن و مع مقتضيات الاتفاق النووي.

حينها كان الملف اليمني بيد جواد ظريف وما يعرف (بتيار المعتدلين) ، لذا فقد طغى اسلوبهم ورؤيتهم على ادارة الازمة . لكن مع الوقت ،وبحكم تبدل موازين القوى في الداخل الايراني لمصلحة صقور الحرس الثوري، فقد طغت مقاربة جديدة ترى ان من الاجدى الاستثمار اكثرا في عسكرة الصراع بدلا عن التسوية.

و في العامين ٢٠١٨-٢٠١٩ ، اخذت طهران توطد من علاقتها الرسمية مع الحوثيين ، وعينت لهم سفيرا معترفا به في ايران ، وكثفت من تواجد ضباط الحرس الثوري (بعد ان اسدت سابقا مهام نقل الخبرات التقنية والتدريبية الى حزب الله) ، وكثفت من عمليات التهريب المنظم لتعزيز القدرات التسليحية للمليشيات الحوثية من خلال الصواريخ الحرارية و تطوير صواريخ الاسكود و السلاح غير التقليدي مثل الطيران المسير ؛ هذه السياسة مثلت التجاوب الايراني مع الدينمكيات الاقليمية التصعيدية بعد الغاء الاتفاق النووي وتصفير الصادرات النفطية وتصنيف الحرس الثوري كمنظمة ارهابية .

وارتكزت هذه السياسة على تحويل اليمن ، من مجرد منطقة نفوذ جيوسياسي، الى منصة عسكرية متقدمة لاستهداف المصالح الغربية و الخليجية . وهو ما بلغ ذروته باستهداف ممرات الملاحة في البحر الاحمر ومصادر الطاقة في السعودية.

واليوم فان تعيين ايرلو سيؤرخ لمرحلة ثالثة في السياسية الايرانية تجاه اليمن ؛ مرحلة يصعب استكشاف ملامحها الاستراتجية حتى تنتهي حالة "عدم اليقين" و تظهر نتائج الانتخابات الامريكية.

لكن طهران تتحضر لخيارين على الارجح ؛ فهي من جهة تعزز نفوذها العسكري المباشر في اليمن بما يعني مزيدا من التهديدات للجوار الاقليمي في حال قرر ترامب او التحالف العربي استئناف سياسة الضغط الاقصى . ومن جهة اخرى تقوم بشرعنة وجودها الميداني ومنحه صفة رسمية كي تحسن موقعها التفاوضي في حال قررت الادارة الديمقراطية استئناف مسار التسويات الاقليمية و تفعيل الاتفاق النووي.

ومع وجود ايرلو في صنعاء سوف تزداد قدرات الحوثيين وخبراتهم ، وفي نفس الوقت سوف يزداد ارتباطهم العضوي بطهران ويتلاشى ما تبقى لهم من هامش استقلالية - روج الخبراء الغربيون الى انه يجب استثماره لانه - قد يدفعهم الى الانخراط في تسوية سياسية تعزز من نفوذهم المحلي و تحسن علاقتهم الثنائية مع الرياض .

ولايمكن فصل القرار الايراني في اليمن(١٧ اكتوبر) عن انتهاء فترة الحظر الدولي على مبيعات الاسلحة الايرانية(١٨ اكتوبر) ،وفي هذا السياق يصبح قرار في اليمن هو اول اختبار حقيقي لردود فعل المجتمع الدولي : هل سيتعايش معها كقوة اقليمية مشرعنه ام سيرد بقوة على سلوكها كدولة مارقة؟

في الحالة الاولى تكون طهران قد استبدلت اسلوب القيادة من الخلف و سياسة الانكار المقبول ، باسلوب جديد يعظم من نفوذها العنلي المباشر من خلال سفير فوق العادة ومطلق الصلاحيات ، وستراهن على ان يكون لها مقعد اساسي في اي مشاورات قادمة للحل في اليمن (على غرار الرياض و ابوظبي) ، بدلا عن مشاركتها غير المباشرة عبر البوابة العمانية.

اما لو جرى التعامل معها كمارقة فانها ستجعل من صنعاء اهم زبون للسلاح الايراني ، و تتحدى به الارادة الدولية.

في الحالتين بات ايرلو اهم مركز قوة سياسي وعسكري في صنعاء ، وجرى تنصيبه رسميا كقاسم سليماني اليمن..

من صفحة الكاتب في الفيس بوك.