كتابات وآراء


الثلاثاء - 20 أكتوبر 2020 - الساعة 05:27 م

كُتب بواسطة : رامي شفيق - ارشيف الكاتب


ثمة صلات تشتبك موضوعياً مع تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مطلع هذا الشهر، والتي تكرّرت غير مرة حول جماعات الإسلام الراديكالي، ومناهضة منظومتها القيمية والحركية، في مقابل النسق العلماني للجمهورية الفرنسية، التي يقوم عليها مرتكز الشرعيّة السياسيّة، المستمدة من الثورة الفرنسية التي قامت على أساسها الجمهورية الفرنسية.
السياق المحدد والصارم الذي غلف خطاب ماكرون، في الثاني من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، كان محدداً بالأنساق الخاصة لتنظيمات الإسلام السياسي، ومدى تغلغلها في ذهنية ومعتقدات المسلمين الفرنسيين، وحتمية تحرير هؤلاء المواطنين من تلك المعتقدات، التي أضحت تشكل خطراً داهماً على الدولة والمجتمع، لما تمثله تلك الأفكار من اصطفاف خلف مشروع سياسي يخاصم ويناصب الجمهورية الفرنسية العداء.
ماكرون الذي تحدث طويلاً عن خطر جماعات الإسلام الراديكالي، وضرورة مواجهة ما أسماه الانعزالية الإسلامية داخل المجتمع الفرنسي، وكيف أنّ ذلك الوضع هو محصلة تداخل وتفاعل بين أطراف خارجية وداخلية، منذ عقود طويلة مضت، كرست لانفصال بعض المهاجرين المسلمين من الجيل الثاني والثالث عن بقية طوائف المجتمع الفرنسي، الأمر الذي يستوجب تدخلاً سريعاً من جانب الدولة؛ لمواجهة ذلك، وهو ما ساقه الرئيس في التأكيد على ضرورة العمل على وأد الصلات الموضوعية بين الداخل والخارج، عبر التحكم في تدفق أموال التمويل لدعم الجمعيات الدينية، وإلزامها بالتعهد باحترام قيم الجمهورية الفرنسية، وربط الدين الاسلامي بالواقع المعيش في فرنسا، من خلال الاعتماد على المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية وحده، وهو ما رسّخه ماكرون في حديثه حول التأكيد على عدم تديين المجال العام، واشتباك منظومة القيم الفرنسية مع كافة مؤسسات الدولة، خاصة ما يتصل بالتعليم والثقافة .
ومن ناحية أخرى، بدت الأزمات المتتالية والمتعاقبة، التي ضربت تنظيم الإخوان، خاصّة مع اعتقال القائم بأعمال المرشد العام للجماعة، محمود عزت، في مسكنه بالتجمع الخامس شمال القاهرة، ليظهر التنظيم في صورته المهترئة، خاصة بعد تعاقب موجات الانشقاق التي ضربت صفوفه من جهة، وظهور قيادات الجماعة وهي تنعم بمليارات الدعم والتمويل القطري والتركي، من ناحية أخرى.
هذه الصورة المؤطرة لوضع التنظيم، تكشف بوضوح عن عمق الأزمة التي تعيشها الجماعة، التي دأبت زمناً طويلاً على التغول في العمل الخدمي، المغموس بالعمل الدعوي، داخل الأحياء السكنية والمؤسسات التعليمية، وعبر ذلك يتم اختيار وتجنيد العناصر المستهدفة، الأمر الذي ساهم في رواج خطاب الإسلام الراديكالي، وعبوره من الشرق الأوسط الى أوروبا، ذهاباً وإياباً، مرة عبر الأفكار المتداولة، وأخرى من خلال القوة الصلبة، التي خبرت مظاهرها التنظيمات الجهادية مثل؛ القاعدة وداعش، واستقطبت أبناء الشرائح العليا من الطبقتين المتوسطة والعليا، وتم تسويق الأفكار التي صاحبتها مظاهر العنف في عدد كبير من دول أوروبا.
لا شك أنّ تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون، بدت في صورة هجمة جديدة، بإمكانها أن تحلحل كافة العلاقات داخل تنظيم الإخوان، خاصة بين الأعضاء والقيادات، سواء في دول الشرق الأوسط أو الدول الأوربية، وخاصّة في فرنسا، الأمر الذي دفع الجماعة نحو التفكير في التعقيب والرد على ذلك الخطاب من خلال قياداتها، وعدم الاكتفاء بالحمولة الرمزية التي تضمنها رد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، باعتباره الداعم الاستراتيجي لجماعات الاسلام الراديكالي، وتنظيماته الجهادية والتكفيرية.
عبر شعار "نجلب الخير للعالم "، هاجم إبراهيم منير خطاب ماكرون، وزعم أنّ الخطاب لا يحترم مشاعر المسلمين، ويستند إلى الأحكام المسبقة، فضلاً عن قوله بسمو أحكام الشريعة على أحكام الجمهورية. ولا ريب في أنّ منير صاحب التجربة الطويلة في الإقامة بالقارة الأوروبية، وبالأخص بريطانيا، أدرك ضرورة الارتكاز على الأفكار العامة، وبحيث تأتي مقولاته في خضم الأفكار التي تقبل الجدل العقيم والمعادلات اللامنتهية، سيما حين أشار بقوله "إنّ أيّ مقارنه بين ثوابت الشريعة الإسلامية، ومقولات الثورة الفرنسية، لن تكون بالتأكيد في صالح ورثة هذه الثورة".
البيان الصحفي المنسوب للمسؤول الأول بالجماعة، ناقض نفسه حين تحدث في مقطع آخر عن أتباعه، باعتبارهم لب خطاب ماكرون، ومقصد مضمونه الحقيقي، حين ثمن احترام أعضاء الجماعة لمفهوم وقيم المواطنة من حقوق وواجبات، وزعم وعيهم التام بكافة القوانين المنظمة للحياة في الدول التي يتواجدون بها، فضلاً عن حرصهم على اعتبارات الأمن في تلك المجتمعات، باعتبارهم من مواطني تلك الدول، ويتحتم عليهم احترام ثوابت المجتمع وقوانينه الملزمة.
هكذا يناور منير حسب النصوص المقدسة للإخوان المسلمين، ويراوح بين الأفكار والتعبيرات؛ بغية استثمار وتوظيف اللحظة ومقتضيات الزمن، للعبور من الأزمة وتداعياتها.
لا يغادر، إبراهيم منير، عبر البيان الصحفي هدفه الرئيس، حين يضع أفكار ومنظومة جماعته في مواجهة الدولة ونظامها السياسي، ما يشي بوضوح أنّ تنظيمات الإسلام الراديكالي تدفع أعضاءها نحو الحياة خارج النسق القيمي للمجتمع، ما يرسخ فكرة الاغتراب والانعزالية داخل أوطانهم، ويبدو ذلك واضحاً وصريحاً، حين نطالع بدقة هذا المقطع : "نود أن نؤكد لكم؛ للرئيس ماكرون والشعب الفرنسي وجميع شعوب الأرض، أنّ فكر الإخوان المسلمين، المنبثق من الدين الذي يرتبط به أنصاره، كان دائماً قادراً على التغلب على أخطاء بعض الأنظمة، التي تعمل عن عمد لدفعهم إلى التخلي عن دينهم، والتي تستخدم التجاوزات غير القانونية واللا إنسانية من أجل تشويه هذا الدين".
لا أستطيع بأيّ حال من الأحوال أن أفقد الصلة والتراتبية المنطقية، بين تعقيب أردوغان، وبيان إبراهيم منير، من جهة، وكذا بين حرص ماكرون وإصراره على مواصلة منظومة حماية قيم الجمهورية خلال الشهور الماضية.
بعيداً عن عدة حقائق من الصعب أن يغفلها أيّ تحليل، تتجلى في المقدمة حقيقة واضحة، وهي أنّ فرنسا عقدت عزمها ضمن الاصطفاف الأوروبي ضد تنظيم الإخوان المسلمين، على خلفية استخدام واستثمار أنقرة لتلك الورقة، في الصراع والتنافس حول أحداث شرق المتوسط، وانخراطها المباشر في سوريا وليبيا، وبدا ذلك واضحاً ومباشراً حين دخل وزير الخارجية التركي، مولود تشاويش أوغلو، في تراشق دبلوماسي مع نظيرته السويدية، آن ليندي، حين أعلنت الأخيرة موقف الاتحاد الأوروبي من ضرورة الانسحاب التركي من شمال شرق سوريا.
وتدرك فرنسا جيداً أنّه لا خلاص في إطار صراعها مع تركيا، سوى تجريدها من أوراق الضغط، وأدوات العبث بأمن القارة الأوروبية، وسيضحى الإسلام السياسي الذي يرعاه أردوغان، ويمنحه كافة آليات الدعم والتمويل، أحد آليات المناورة المستخدمة، للوصول لنقطة تفاوضية تحقق مصالحه الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي يكشف عن حقيقة تنظيم الإخوان، ودوره الوظيفي في خدمة مصالح من يقدم له الدعم عبر تاريخه، وزيف خطاب مظلوميته القائم على اختلاق الوقائع في كل سردياته المزيفة.

من مقال للكاتب على موقع حفريات